RSS
05-05-2011, 06:25 AM
http://i1206.photobucket.com/albums/bb441/snox77/71132880.png
من البداية أقولها صريحة أسامة بن لادن إرهابي.. ليس مجاهدًا, ولا مناضلاً, فقط إرهابي.. هو محارب بارع, عنيد, حاد الذكاء، لكنه يبقى مجرّد إرهابي.
والفيصل هنا ليس العواطف المتأثّرة بعدائه للاستعمارية الأمريكية وبصورة المجاهد الأسطوري التي أجاد تقديمها للناس.. الفيصل الحقيقي هو الأحداث والتاريخ.
مِن المجاهد إلى المتطرّف
الحق يُقال إن أسامة بن لادن لم يكن دومًا ذلك الإرهابي الذي ينتهج للحرب منهجًا لا يقرّه الإسلام ولا الإنسانية؛ فمنذ عام 1984 كان له نشاط ملموس في المقاومة الشرعية ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ففي هذا العام كان قد تعرّف على المجاهد العربي العظيم د. عبد الله عزام (أحد أبرز مؤسسي حركة حماس الذي كان قد انتقل إلى بيشاور الباكستانية لتقديم الدعم للمجاهدين الأفغان)، وأقنع عزام أسامة أن يتولّى جمع التبرّعات للمقاومة الأفغانية، وبالفعل، قَدِم بن لادن من السعودية إلى باكستان ومعه تبرّعات بالملايين، وكذلك أسّس في باكستان -بالتعاون مع د. عزام- مكتبًا لتسهيل وصول التبرّعات والدعم للمقاومة في أفغانستان، ولتمرير المتطوّعين من العرب للمشاركة في ذلك، وكذلك لرعاية أُسر هؤلاء المتطوّعين.
في عام 1986 انتقل أسامة بن لادن للاستقرار في باكستان، وترك أسرته في مدينة "بيشاور"، ثم عبر الحدود ليؤسّس معسكرًا للمجاهدين العرب، أسماه "المأسدة"، ومن هناك بدأ تكوين ميليشيا عربية في أفغانستان، الأمر الذي أدّى للاختلاف بينه وبين عزام الذي كان يرى تفريق المقاتلين العرب على ميليشيات المقاومة، الأمر الذي لم يجد قبولاً لدى بن لادن، وبالتالي أدّى لانفصال الرجلين.
كان انفصال د. عزام عن أسامة بمثابة معول الهدم في شخصية "المجاهد الحق" في بن لادن، وحجر الأساس لشخصية "الإرهابي"؛ فدكتور عبد الله عزام كان معروفًا برفضه لاستخدام العنف ضد المدنيين، وبتركيزه على مقاومة الاحتلال ذاته وآلياته ذاتها، بشكل يحرص على مراعاة ضوابط المقاومة الشرعية للاحتلال، وكان كذلك من أعدى أعداء منهج التكفير، وفقدان بن لادن لرفيق كعبد الله عزام كان مرحلة تغيّر خطيرة في حياته، خاصة مع دخول شخص جديد ليحل محل د. عزام، هذا الشخص هو الطبيب المصري أيمن الظواهري.
كانت هذه بداية تحوّل أسامة بن لادن من مجاهد.. إلى متطرّف.
القاعدة
في 11 من أغسطس عام 1988، تمّ عقد اجتماع موسّع لقادة المجاهدين العرب، ضمّ عزام وبن لادن والظواهري؛ ليتباحثوا حول مستقبل المقاتلين العرب في مرحلة ما بعد انسحاب السوفييت من أفغانستان، خاصة مع تحوّل ميليشيات المقاومة الأفغانية إلى مواجهة بعضها البعض في محاولة لكل منها لاقتناص جزءًا من كعكة الحكم، إن لم يكن كلها.
ورغم أن الاجتماع كان بناء على طلب د. عزام، فإن نتيجته لم تكن لصالحه إطلاقًا، فقد تقرّر في الاجتماع تأسيس تنظيم يضمّ كل المقاتلين العرب تحت مسمّى "القاعدة العسكرية"، ولكن هذا التنظيم لم يرأسه عزام كما كان متوقعًا بطبيعة الحال، لكونه الأقدم بين المقاتلين العرب والأعظم أثرًا والأطول تاريخًا، وإنما تمّ اختيار أسامة بن لادن زعيمًا له، بتأثير من الظواهري وتكتّله المضاد لتيار عبد الله عزام.. وفي هذا الاجتماع بدت نبرة "القيادة" تظهر جلية في خطاب أسامة بن لادن، مصحوبة بـ"نذالة" واضحة حين تعمّد في حديثه تجاهل ذِكر دور عبد الله عزام في تأسيس حركة المجاهدين العرب في أفغانستان.
كان الغرض الأساسي لتأسيس هذه المنظّمة هو أولاً تحييد العرب عن الحروب الداخلية بين كل من حكمتيار وأحمد شاه مسعود، قائدَيْ أهم ميليشيات أفغانستان، وثانيًا تأسيس قوة تستطيع عند الحاجة التدخّل للفصل بين الأفغان المتقاتلين، إذا ما تعقدت الأمور؛ أي أن التنظيم كان في الأساس لغرض مشروع، ولكن غياب عبد الله عزام عنه حوّل مساره بين حُلم أسامة بن لادن بمنظّمة تعيد للواقع حالة "غزوات" المسلمين في أوروبا، والرؤية الدموية للظواهري والذي يعتنق منهج التكفير واستباحة دماء المخالفين.. وهو ما جعل "القاعدة" تنفصل تمامًا عما أُسست لأجله، ولكي تكتمل مأساة غياب صوت العقل -عبد الله عزام- لَقِي هذا الآخر مصرعه في 24 نوفمبر عام 1989 عندما انفجرت عبوة ناسفة في سيارته.
السعودية.. باكستان.. السودان.. أفغانستان
في النصف الثاني من عام 1989 عاد أسامة بن لادن للسعودية؛ حيث أثار أسلوبه الحاد وتدخّله في السياسات العليا ضيق السلطات، وفي عام 1992 سافر إلى بيشاور لحضور المفاوضات بين حكمتيار وشاه مسعود، وهناك اختلف موقفه عن موقف بلاده، وهو ما جعله ينتقل لخانة "المغضوب عليهم..".
بعد فشل بن لادن في جهود إنهاء الحرب الأهلية الأفغانية، انتقل هو و"القاعدة" إلى السودان، بدعوة من نظام عمر البشير وحسن الترابي؛ حيث وجد رعاية وأرضًا خصبة يستطيع اتخاذها قاعدة لنشر فِكره ولبدء "جهاده".. وبالفعل بدأ التنظيم في العمل؛ فمن خلال مؤمنين بنفس الفكر، بدأ التنظيم في الارتباط بالمنظّمات الإرهابية في مصر واليمن والصومال والجزائر، مثل "الجهاد" الذي كان يتزعمه الظواهري، وفي عام 1992 تمّ تفجير فندقين في اليمن، ونسبت القاعدة لنفسها "الفضل" في ذلك، ليبدأ اسمها يظهر في الساحة الدولية للعمل الإرهابي.
علاقة "القاعدة" بالتنظيمات الإرهابية جعلها تُصنّف رسميًا كواحدة منها، وبهذا فقد جمّدت السلطات السعودية أرصدته، وهو ما أضعفه ماليّا وجعل الكثيرين يتخلّون عنه، بالإضافة لذلك فقد ضاقت مصر بعلاقة القاعدة بالتنظيمات الإرهابية التي كانت آنذاك قد فجّرت أنهارًا من الدم في البلاد، كان تنظيم القاعدة قد تحالف مع النظام السوداني لخدمة هدف "إقامة الدولة الإسلامية الحقة".. وبطبيعة الحال فإن مصر كانت الدولة الأكثر استهدافًا لتصدير الفكرة لها بقوة السلاح، وكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير هي محاولة الظواهري والتنظيم التابع له اغتيال الرئيس السابق مبارك في أديس أبابا عام 1995؛ رغبة منهم في إشاعة الفوضى بمقتله، واستيلاء العناصر الإسلامية المسلّحة على السلطة في مصر؛ فقامت المخابرات المصرية بالرد بخدعة بارعة استطاعت بها الوقيعة بين النظام السوداني والقاعدة، وهو ما تسبّب في طرد تلك الأخيرة من السودان عام 1996، وتمّ نقل أسامة بن لادن إلى أفغانستان فورًا بناء على رغبته، باعتبارها الأرض الأكثر "أُلفة" له.
بن لادن وأمريكا
طَرد السودان أسامة بن لادن كان بناء على ضغط مصري سعودي أمريكي، مجرّد وجود أمريكا في الصورة كان كافيًا لتفجير غضب بن لادن ورغبته العاتية في الانتقام، (ولكن هل كان استهدافه أمريكا من منطلق "جهادي" بحت.. أم "شخصي" مستتر خلف دوافع جهادية؟ الله أعلم)، ولذلك فقد أصبح ضرب المصالح الأمريكية هدفًا رئيسيّا للقاعدة.. وبالفعل أعلن أسامة بن لادن الحرب على أمريكا رسميًا في مؤتمر صحفي فور استقراره في أفغانستان، وفي أغسطس عام 1998 تلقّت أمريكا الضربة الأولى؛ حيث تم استهداف سفارتَيْها في كينيا وتنزانيا بالمتفجّرات، وبعد أسابيع قليلة قامت أمريكا بالرد بإطلاق نحو 66 صاروخًا على مقر القاعدة في أفغانستان، ولكن بن لادن والظواهري كانا قد غادراه قبل القصف بقليل.
عداء أسامة بن لادن لأمريكا كان أقدم من ذلك، منذ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومع كل دعم سياسي ومادي أمريكي لإسرائيل، وكذلك فيما يخصّ التدخّل الأمريكي في الشأن الخليجي بعد غزو العراق للكويت، ولكن الأمر أخذ بُعدًا إضافيًا شخصيًا بعد تدخّل أمريكا في أزمة طرده من السودان.
وفي 11 من سبتمبر عام 2001، كانت بداية مرحلة تحوّل بن لادن لأسطورة دولية للإرهاب؛ حيث اتهمت أمريكا تنظيم القاعدة بتنفيذ الهجمات، واتبعت اتهامها بأن قامت بغزو أفغانستان وتمشيطها بحثًا عن بن لادن الذي تمّ رصد حوالي 25 مليون دولار كمكافأة للقبض عليه حيّا أو ميتًا! ومنذ أحداث 11 سبتمبر تحوّل أسامة بن لادن إلى أشهر وأغلى طريدة في التاريخ، فقد أثار جنون الأمريكيين وهو يُرسل رسائله الصوتية والمسجّلة إلى وكالات الأنباء، يتوعّد فيها أمريكا وأوروبا بالويل والثبور، بينما يعجز العملاق الأمريكي عن القبض عليه.. بعد أن سُجِل وجوده لآخر مرة في مدينة "قندهار" الأفغانية، ليختفي بعدها تمامًا ويتحوّل إلى شبح.
النهاية
وأخيرًا.. في الثاني من مايو عام 2011، استيقظ العالم على خبر مقتل أسامة بن لادن على يد قوة أمريكية خاصة، في إحدى ضواحي العاصمة الباكستانية (إسلام أباد).
وكما كانت حياته مثيرة للجدل، فقد كان موته كذلك، فبين مَن كذّبوا نبأ مقتله، وبين مَن قالوا إنه قد مات منذ زمن، ومَن ربطوا اقتراب الانتخابات الأمريكية بهذا الخبر، وكذلك بين مَن نعوه باعتباره "شهيدًا"، ومن لعنوه باعتباره "شؤمًا" على العروبة والإسلام.. بين كل هؤلاء يتأرجح اسم أسامة بن لادن.. ولكن المدقق في حياة هذا الرجل، ومنهجه في القتال، والمقيّم لأفعاله في ضوء "فقه الجهاد" ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم -والخلفاء من بعده- للمجاهدين ألا يقتلوا مدنيًا، ولا يسفكوا الدم بغير حق، ولا يحرقوا شجرًا أو يهدموا بيتًا أو يروّعوا الناس، يُدرك موقع أفعال أسامة بن لادن وفِكره من الخير أو الشر.. المشكلة أنه كان بالفعل مؤمنًا بعدالة قضيته، مثابرًا على هدفه، وهو ما جعل منه فتنة للمنبهرين بصورة المقاتل المعتزل للدنيا وما فيها.
ولكن تبقى لنا عقول نزن بها الأفعال.. كي لا تخدعنا الصور المبهرة.
من البداية أقولها صريحة أسامة بن لادن إرهابي.. ليس مجاهدًا, ولا مناضلاً, فقط إرهابي.. هو محارب بارع, عنيد, حاد الذكاء، لكنه يبقى مجرّد إرهابي.
والفيصل هنا ليس العواطف المتأثّرة بعدائه للاستعمارية الأمريكية وبصورة المجاهد الأسطوري التي أجاد تقديمها للناس.. الفيصل الحقيقي هو الأحداث والتاريخ.
مِن المجاهد إلى المتطرّف
الحق يُقال إن أسامة بن لادن لم يكن دومًا ذلك الإرهابي الذي ينتهج للحرب منهجًا لا يقرّه الإسلام ولا الإنسانية؛ فمنذ عام 1984 كان له نشاط ملموس في المقاومة الشرعية ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ففي هذا العام كان قد تعرّف على المجاهد العربي العظيم د. عبد الله عزام (أحد أبرز مؤسسي حركة حماس الذي كان قد انتقل إلى بيشاور الباكستانية لتقديم الدعم للمجاهدين الأفغان)، وأقنع عزام أسامة أن يتولّى جمع التبرّعات للمقاومة الأفغانية، وبالفعل، قَدِم بن لادن من السعودية إلى باكستان ومعه تبرّعات بالملايين، وكذلك أسّس في باكستان -بالتعاون مع د. عزام- مكتبًا لتسهيل وصول التبرّعات والدعم للمقاومة في أفغانستان، ولتمرير المتطوّعين من العرب للمشاركة في ذلك، وكذلك لرعاية أُسر هؤلاء المتطوّعين.
في عام 1986 انتقل أسامة بن لادن للاستقرار في باكستان، وترك أسرته في مدينة "بيشاور"، ثم عبر الحدود ليؤسّس معسكرًا للمجاهدين العرب، أسماه "المأسدة"، ومن هناك بدأ تكوين ميليشيا عربية في أفغانستان، الأمر الذي أدّى للاختلاف بينه وبين عزام الذي كان يرى تفريق المقاتلين العرب على ميليشيات المقاومة، الأمر الذي لم يجد قبولاً لدى بن لادن، وبالتالي أدّى لانفصال الرجلين.
كان انفصال د. عزام عن أسامة بمثابة معول الهدم في شخصية "المجاهد الحق" في بن لادن، وحجر الأساس لشخصية "الإرهابي"؛ فدكتور عبد الله عزام كان معروفًا برفضه لاستخدام العنف ضد المدنيين، وبتركيزه على مقاومة الاحتلال ذاته وآلياته ذاتها، بشكل يحرص على مراعاة ضوابط المقاومة الشرعية للاحتلال، وكان كذلك من أعدى أعداء منهج التكفير، وفقدان بن لادن لرفيق كعبد الله عزام كان مرحلة تغيّر خطيرة في حياته، خاصة مع دخول شخص جديد ليحل محل د. عزام، هذا الشخص هو الطبيب المصري أيمن الظواهري.
كانت هذه بداية تحوّل أسامة بن لادن من مجاهد.. إلى متطرّف.
القاعدة
في 11 من أغسطس عام 1988، تمّ عقد اجتماع موسّع لقادة المجاهدين العرب، ضمّ عزام وبن لادن والظواهري؛ ليتباحثوا حول مستقبل المقاتلين العرب في مرحلة ما بعد انسحاب السوفييت من أفغانستان، خاصة مع تحوّل ميليشيات المقاومة الأفغانية إلى مواجهة بعضها البعض في محاولة لكل منها لاقتناص جزءًا من كعكة الحكم، إن لم يكن كلها.
ورغم أن الاجتماع كان بناء على طلب د. عزام، فإن نتيجته لم تكن لصالحه إطلاقًا، فقد تقرّر في الاجتماع تأسيس تنظيم يضمّ كل المقاتلين العرب تحت مسمّى "القاعدة العسكرية"، ولكن هذا التنظيم لم يرأسه عزام كما كان متوقعًا بطبيعة الحال، لكونه الأقدم بين المقاتلين العرب والأعظم أثرًا والأطول تاريخًا، وإنما تمّ اختيار أسامة بن لادن زعيمًا له، بتأثير من الظواهري وتكتّله المضاد لتيار عبد الله عزام.. وفي هذا الاجتماع بدت نبرة "القيادة" تظهر جلية في خطاب أسامة بن لادن، مصحوبة بـ"نذالة" واضحة حين تعمّد في حديثه تجاهل ذِكر دور عبد الله عزام في تأسيس حركة المجاهدين العرب في أفغانستان.
كان الغرض الأساسي لتأسيس هذه المنظّمة هو أولاً تحييد العرب عن الحروب الداخلية بين كل من حكمتيار وأحمد شاه مسعود، قائدَيْ أهم ميليشيات أفغانستان، وثانيًا تأسيس قوة تستطيع عند الحاجة التدخّل للفصل بين الأفغان المتقاتلين، إذا ما تعقدت الأمور؛ أي أن التنظيم كان في الأساس لغرض مشروع، ولكن غياب عبد الله عزام عنه حوّل مساره بين حُلم أسامة بن لادن بمنظّمة تعيد للواقع حالة "غزوات" المسلمين في أوروبا، والرؤية الدموية للظواهري والذي يعتنق منهج التكفير واستباحة دماء المخالفين.. وهو ما جعل "القاعدة" تنفصل تمامًا عما أُسست لأجله، ولكي تكتمل مأساة غياب صوت العقل -عبد الله عزام- لَقِي هذا الآخر مصرعه في 24 نوفمبر عام 1989 عندما انفجرت عبوة ناسفة في سيارته.
السعودية.. باكستان.. السودان.. أفغانستان
في النصف الثاني من عام 1989 عاد أسامة بن لادن للسعودية؛ حيث أثار أسلوبه الحاد وتدخّله في السياسات العليا ضيق السلطات، وفي عام 1992 سافر إلى بيشاور لحضور المفاوضات بين حكمتيار وشاه مسعود، وهناك اختلف موقفه عن موقف بلاده، وهو ما جعله ينتقل لخانة "المغضوب عليهم..".
بعد فشل بن لادن في جهود إنهاء الحرب الأهلية الأفغانية، انتقل هو و"القاعدة" إلى السودان، بدعوة من نظام عمر البشير وحسن الترابي؛ حيث وجد رعاية وأرضًا خصبة يستطيع اتخاذها قاعدة لنشر فِكره ولبدء "جهاده".. وبالفعل بدأ التنظيم في العمل؛ فمن خلال مؤمنين بنفس الفكر، بدأ التنظيم في الارتباط بالمنظّمات الإرهابية في مصر واليمن والصومال والجزائر، مثل "الجهاد" الذي كان يتزعمه الظواهري، وفي عام 1992 تمّ تفجير فندقين في اليمن، ونسبت القاعدة لنفسها "الفضل" في ذلك، ليبدأ اسمها يظهر في الساحة الدولية للعمل الإرهابي.
علاقة "القاعدة" بالتنظيمات الإرهابية جعلها تُصنّف رسميًا كواحدة منها، وبهذا فقد جمّدت السلطات السعودية أرصدته، وهو ما أضعفه ماليّا وجعل الكثيرين يتخلّون عنه، بالإضافة لذلك فقد ضاقت مصر بعلاقة القاعدة بالتنظيمات الإرهابية التي كانت آنذاك قد فجّرت أنهارًا من الدم في البلاد، كان تنظيم القاعدة قد تحالف مع النظام السوداني لخدمة هدف "إقامة الدولة الإسلامية الحقة".. وبطبيعة الحال فإن مصر كانت الدولة الأكثر استهدافًا لتصدير الفكرة لها بقوة السلاح، وكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير هي محاولة الظواهري والتنظيم التابع له اغتيال الرئيس السابق مبارك في أديس أبابا عام 1995؛ رغبة منهم في إشاعة الفوضى بمقتله، واستيلاء العناصر الإسلامية المسلّحة على السلطة في مصر؛ فقامت المخابرات المصرية بالرد بخدعة بارعة استطاعت بها الوقيعة بين النظام السوداني والقاعدة، وهو ما تسبّب في طرد تلك الأخيرة من السودان عام 1996، وتمّ نقل أسامة بن لادن إلى أفغانستان فورًا بناء على رغبته، باعتبارها الأرض الأكثر "أُلفة" له.
بن لادن وأمريكا
طَرد السودان أسامة بن لادن كان بناء على ضغط مصري سعودي أمريكي، مجرّد وجود أمريكا في الصورة كان كافيًا لتفجير غضب بن لادن ورغبته العاتية في الانتقام، (ولكن هل كان استهدافه أمريكا من منطلق "جهادي" بحت.. أم "شخصي" مستتر خلف دوافع جهادية؟ الله أعلم)، ولذلك فقد أصبح ضرب المصالح الأمريكية هدفًا رئيسيّا للقاعدة.. وبالفعل أعلن أسامة بن لادن الحرب على أمريكا رسميًا في مؤتمر صحفي فور استقراره في أفغانستان، وفي أغسطس عام 1998 تلقّت أمريكا الضربة الأولى؛ حيث تم استهداف سفارتَيْها في كينيا وتنزانيا بالمتفجّرات، وبعد أسابيع قليلة قامت أمريكا بالرد بإطلاق نحو 66 صاروخًا على مقر القاعدة في أفغانستان، ولكن بن لادن والظواهري كانا قد غادراه قبل القصف بقليل.
عداء أسامة بن لادن لأمريكا كان أقدم من ذلك، منذ اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومع كل دعم سياسي ومادي أمريكي لإسرائيل، وكذلك فيما يخصّ التدخّل الأمريكي في الشأن الخليجي بعد غزو العراق للكويت، ولكن الأمر أخذ بُعدًا إضافيًا شخصيًا بعد تدخّل أمريكا في أزمة طرده من السودان.
وفي 11 من سبتمبر عام 2001، كانت بداية مرحلة تحوّل بن لادن لأسطورة دولية للإرهاب؛ حيث اتهمت أمريكا تنظيم القاعدة بتنفيذ الهجمات، واتبعت اتهامها بأن قامت بغزو أفغانستان وتمشيطها بحثًا عن بن لادن الذي تمّ رصد حوالي 25 مليون دولار كمكافأة للقبض عليه حيّا أو ميتًا! ومنذ أحداث 11 سبتمبر تحوّل أسامة بن لادن إلى أشهر وأغلى طريدة في التاريخ، فقد أثار جنون الأمريكيين وهو يُرسل رسائله الصوتية والمسجّلة إلى وكالات الأنباء، يتوعّد فيها أمريكا وأوروبا بالويل والثبور، بينما يعجز العملاق الأمريكي عن القبض عليه.. بعد أن سُجِل وجوده لآخر مرة في مدينة "قندهار" الأفغانية، ليختفي بعدها تمامًا ويتحوّل إلى شبح.
النهاية
وأخيرًا.. في الثاني من مايو عام 2011، استيقظ العالم على خبر مقتل أسامة بن لادن على يد قوة أمريكية خاصة، في إحدى ضواحي العاصمة الباكستانية (إسلام أباد).
وكما كانت حياته مثيرة للجدل، فقد كان موته كذلك، فبين مَن كذّبوا نبأ مقتله، وبين مَن قالوا إنه قد مات منذ زمن، ومَن ربطوا اقتراب الانتخابات الأمريكية بهذا الخبر، وكذلك بين مَن نعوه باعتباره "شهيدًا"، ومن لعنوه باعتباره "شؤمًا" على العروبة والإسلام.. بين كل هؤلاء يتأرجح اسم أسامة بن لادن.. ولكن المدقق في حياة هذا الرجل، ومنهجه في القتال، والمقيّم لأفعاله في ضوء "فقه الجهاد" ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم -والخلفاء من بعده- للمجاهدين ألا يقتلوا مدنيًا، ولا يسفكوا الدم بغير حق، ولا يحرقوا شجرًا أو يهدموا بيتًا أو يروّعوا الناس، يُدرك موقع أفعال أسامة بن لادن وفِكره من الخير أو الشر.. المشكلة أنه كان بالفعل مؤمنًا بعدالة قضيته، مثابرًا على هدفه، وهو ما جعل منه فتنة للمنبهرين بصورة المقاتل المعتزل للدنيا وما فيها.
ولكن تبقى لنا عقول نزن بها الأفعال.. كي لا تخدعنا الصور المبهرة.