RSS
16-11-2010, 01:40 AM
مقدمة :
إن في حجة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم الوداعية التوديعية لعبراً ومواعظ، وإن في خطبها لدروساً جوامع.
فلقد خطب عليه الصلاة والسلام خطباً في موقف عرفة، ويوم الحج الأكبر وأيام التشريق - أرسى فيها قواعد الإسلام، وهدم مبادئ الجاهلية، وعظَّم حرمات المسلمين. خطب الناس وودعهم، بعد أن استقرَّ التشريع، وكمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله هذا الإسلام ديناً للإنسانية كلها، لا يقبل من أحدٍ ديناً سواه:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً }[المائدة:3].{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }[آل عمران:85].
ألقى نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام العظيم كلماتٍ جامعةً موجزةً، تحكي المبادئ الكبرى لهذا الدين.
وأنبياء الله حين يبلغون رسالات الله ليسوا تجار كلام، ولا عارضي أساليب، فكلماتهم حق وأوعية معانٍ، وشفاءٌ لما في الصدور، ودواءٌ لما في القلوب.
في حجة الوداع ثبَّت النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين أصول الديانة، وقواعد الشريعة، ونبَّه بالقضايا الكبرى على الجزئيات الصغرى.
ولقد كانت عباراتٍ توديعيةٍ بألفاظها ومعانيها وشمولها وإيجازها، استشهدَ الناسَ فيها على البلاغ.
كان صلى الله عليه وسلم من خلال تبليغه كلمات ربه يمتلئ حباً ونصحاً وإخلاصاً ورأفةً:{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }[الشعراء:3].
لقد عانى وكابد من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى صنع منهم - بإذن ربِّه - أمةً جديدةً، ذات أهدافٍ واضحةٍ، ومبادئ سامية، هداهم من ضلال، وجمعهم بعد فرقةٍ، وعلَّمهم بعد جهل.
وهذه وقفات مع بعض هذه الأسس النبوية، والقواعد المصطفوية، والأصول المحمدية:
الوقفة الأولى :
إن أول شيء أكد عليه في النهي من أمر الجاهلية الشرك بالله، فلقد جاء بكلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) شعار الإسلام وعلَم الملة، كلمة تُخلَع بها جميع الآلهة الباطلة، ويَثبتُ بها استحقاق الله وحده للعبادة.
فالله هو الخالق وما سواه مخلوق، وهو الرازق وما سواه مرزوق، وهو القاهر وما سواه مقهور. هذا هو دليل التوحيد وطريقه:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم:40].
والأموات قد أفضوا إلى ما قدموا، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً:{ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14].
الوقفة الثانية :
من القضايا المثارة في الخطاب النبوي التقريرُ بأن الناس متساوون في التكاليف حقوقاً وواجباتٍ، لا فرق بين عربيٍ ولا عجمي إلا بالتقوى، لا تفاضل في نسب، ولا تمايز في لون، فالنزاعات العنصرية والنعرات الوطنية ضربٌ من الإفك والدجل.
ومن الواقع الرديء في عصرنا أن توصف حضارةُ اليوم بحضارة العنصريات والقوميات. والشعوب الموصوفة بالتقدم تضمر في نفسها احتقاراً لأبناء القارات الأخرى، ولم تفلح المواثيق النظرية، ولا التصريحات اللفظية، فإنك ترى هذا التمييز يتنفس بقوةٍ من خلال المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لينبه منذ مئات السنين على ضلال هذا المسلك، ويعلن في ذلك المشهد العظيم: ((أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى)). وفي رواية عند الطبراني عن العدَّاء بن خالد قال: قعدت تحت منبره صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع، فصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه وقال: ((إن الله يقول: {ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }[الحجرات:13]، فليس لعربي على عجمي فضل، ولا لعجمي على عربي فضل، ولا لأسود على أحمر فضل، ولا لأحمر على أسود فضل إلا بالتقوى. يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم، وتجيء الناس بالآخرة، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً. أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عِبِّية الجاهلية [عِبِّيَّة الجاهلية: الكبر والفخر والنخوة] وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: رجل تقي كريم على الله، وفاجرٌ شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب)) رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود وغيرهما.
الوقفة الثالثة :
حفظُ النفوس وصيانة الدماء قضية خطيرة يثيرها خطاب الرسول عليه السلام إلى الأمة في كلماته التوديعية التأصيلية: ذلكم أن حكم القصاص في النفس والجراحات، كان من حِكَمه التشريعية: زجر المجرمين عن العدوان.
وقد عجزت الأمم المعاصرة بتقدمها وتقنية وسائلها أن توقف سيل الجرائم، وإزهاق النفوس، وزاد سوؤها وانكشفت سوأتها، حين ألغت عقوبة الاقتصاص من المجرمين، واكتفت بعقوبات هزيلة بزعم استصلاح المجرمين، وما زاد المجرمين ذلك إلا عتواً واستكباراً في الأرض ومكرَ السَّيِّء. ولكنه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم محسوم بالقصاص العادل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ}[البقرة:179]. إن في القصاص حياة حين يكفُّ من يَهمُّ بالجريمة عن الإجرام، وفي القصاص حياةٌ حين تُشفى صدور أولياء القتيل من الثأر الذي لم يكن يقف عند حدٍّ لا في القديم ولا في الحديث. ثأرٌ مثيرٌ للأحقاد العائلية، والعصبيات القبلية، يتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيلٍ، لا تكفُّ معه الدماء عن المسيل.
ويأتي حسمٌ عمليٌّ ومباشرة تطبيقية من محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العظيم، وفي إلغاء حكم جاهلي في مسألة الثأر، فاستمع إليه وهو يقول: ((ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. كان مُسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل)) رواه مسلم .
إن في القصاص والحدود وأحكام الجنايات في الشريعة، حياةً ورحمةً، حياةً أعم وأشمل، حياة تشمل المجتمع كله، رحمة واسعة غير مقصورة على شفقة ورِقَّة تنبت في النفس نحو مستضعفٍ أو أرملةٍ أو طفلٍ، ولكنها رحمةٌ عامةٌ للقوي والضعيف والقريب والبعيد، والأمن المبسوط في بلاد الحرمين خير شاهد صدقٍ لقوم يتفكرون.
الوقفة الرابعة :
قضية المرأة، وما أدراك ما قضية المرأة، وكأنها قضية كل عصر وكل جيل وكل أمة، يأتي الخطاب النبوي في هذا الحشد الهائل ممن عاصر الجاهلية، ليضع الناس على الحق، والطريق المستقيم.
إن مواريث العرب والجاهلية قبل الإسلام احتقرت المرأة وازدرتها، بل لعلها رأت أنها شرٌ لابد منه، وفي أمم التقدم المعاصر أسفَّتْ بها في شهواتها إلى مدىً منحطٍ. وإذا كانت مواريث الجاهلية قد جعلت المرأة في قفص الاتهام ومظاهر الاستصغار، فإن مسلك التقدم المعاصر قد جعلها مصيدةً لكل الآثام، ولكنَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم أعطى كل ذي حق حقه، وحفظ لكلٍّ نصيبه:{ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ }[النساء:32]. في مسلكٍ وسط، ومنهجٍ عدلٍ، فالنساءُ شقائق الرجال:{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }[البقرة:228]، {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}[آل عمران:195]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[النحل:97]. وفي التوجيه النبوي: ((فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))رواه مسلم . إن إصلاح عوج المرأة راجع إلى زوجها؛ ليمنع العوج والنشوز، وليعيد الاستقرار إلى جوانب البيت في معالجة داخلية.
الوقفة الخامسة :
وثمة وقفةٌ – نبويةٌ - في هذا المشهد التوديعي العظيم. إنها قضية وحدة الأمة، وقضية الخلاف المذموم. يوقف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على أمر حاسم، وموقف جازم: ((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده- إن اعتصمتم به- كتاب الله))رواه البخاري ومسلم .
((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) متفق عليه من حديث جرير. ((ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون؛ ولكن في التحريش بينهم)) رواه مسلم والترمذي واللفظ له.
إنه تحذير مبكر من الرؤوفٍ الرحيم بالمؤمنين من فناءٍ ذريع، إذا هي استسلمت للخلاف، واسترسلت في الغفلة عن سنن الله، والجهل بما يحيكه الشيطان وإخوان الشيطان من مؤامرات.
إنها وصايا أودعها النبي صلى الله عليه وسلم ضمائر الناس. لا تتضمن قضايا فلسفية ولا نظريات خيالية. مبادئ بسطها النبي الكريم المبلغ البليغ في كلماتٍ سهلة سائغة، وإنها على وجازتها أهدى وأجدى من مواثيق عالمية طنانةٍ لا واقع لها. ذلك أن قائلها وواصفها محمداً صلى الله عليه وسلم كان عامر الفؤاد بحب الناس، والحرص عليهم والرأفة بهم. شديد التأكيد على ربطهم بالله وسننه وإعدادهم للقائه.
وإذا كان الإسلام في العهد النبوي قد دفن النعرات الجاهلية، والعصبيات الدموية، والشيطان قد يئس أن يُعبد في ذلك العهد، لكننا نخشى تجدد آماله في هذه العصور المتأخرة. تتجدد آماله في الفرقة والتمزيق. فالعالم الإسلامي اليوم تتوزعه عشراتُ القوميات، وتمشي جماهيره تحت عشرات الرايات، وهي قوميات ذات توجهات مقيتة. ما جلبت لأهلها إلا الذل والصغار، والفرقة والتمزق.
الوقفة السادسة :
ضعف حال المسلمين، واضطراب أمورهم، لم يكن إلا من عند أنفسهم، تسلط الأعداء لا يكون إلا بسبب الأعمال والإهمال؛ فيا حكام الإسلام ويا ولاة أمور المسلمين، اتقوا الله فيما وُلِّيتم، وأقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه، ارفعوا راية الكتاب والسنة، اتقوا الله في توجيه الرعية، وجِّهوهم إلى ما فيه ترسيخ الإيمان وحب الإسلام .
الخاتمة :
ما أحوج الأمة اليوم إلى مثل هذه الدروس النبوية..أما تتكررُ الروحُ التي سادتْ حجة الوداع؛ لكي تتشبعَ هذه الكثرةُ العددية للمسلمين اليومَ بكثافةٍ نوعيةٍ، وطاقاتٍ روحيةٍ؟ أما يحجُ المسلمون ليشهدوا منافع لهم تمحو فرقتَهم، وتسوي صفوفهم، وترد مهابتهم؟!
إن الحج العظيم في معناه الكبير يكون فيه الشيطان وأعوانه أصغر وأحقر. فيغيظ أعداء الله ويرجعون خاسئين، ناكصين على أعقابهم مذمومين مدحورين، يغيظ الكفار حين يرون جموع هذه الأمة، وقد استسلمت لربها، وأطاعت نبيها، واجتمعت كلمتها.
المرجع : كتاب توجيهات وذكرى، الجزء الثاني ص366،تأليف معالي الشيخ الدكتور: صالح بن عبدالله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة (خطبة عيد الأضحى المبارك ).
منقـــول
...
إن في حجة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم الوداعية التوديعية لعبراً ومواعظ، وإن في خطبها لدروساً جوامع.
فلقد خطب عليه الصلاة والسلام خطباً في موقف عرفة، ويوم الحج الأكبر وأيام التشريق - أرسى فيها قواعد الإسلام، وهدم مبادئ الجاهلية، وعظَّم حرمات المسلمين. خطب الناس وودعهم، بعد أن استقرَّ التشريع، وكمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله هذا الإسلام ديناً للإنسانية كلها، لا يقبل من أحدٍ ديناً سواه:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً }[المائدة:3].{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }[آل عمران:85].
ألقى نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام العظيم كلماتٍ جامعةً موجزةً، تحكي المبادئ الكبرى لهذا الدين.
وأنبياء الله حين يبلغون رسالات الله ليسوا تجار كلام، ولا عارضي أساليب، فكلماتهم حق وأوعية معانٍ، وشفاءٌ لما في الصدور، ودواءٌ لما في القلوب.
في حجة الوداع ثبَّت النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين أصول الديانة، وقواعد الشريعة، ونبَّه بالقضايا الكبرى على الجزئيات الصغرى.
ولقد كانت عباراتٍ توديعيةٍ بألفاظها ومعانيها وشمولها وإيجازها، استشهدَ الناسَ فيها على البلاغ.
كان صلى الله عليه وسلم من خلال تبليغه كلمات ربه يمتلئ حباً ونصحاً وإخلاصاً ورأفةً:{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }[الشعراء:3].
لقد عانى وكابد من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى صنع منهم - بإذن ربِّه - أمةً جديدةً، ذات أهدافٍ واضحةٍ، ومبادئ سامية، هداهم من ضلال، وجمعهم بعد فرقةٍ، وعلَّمهم بعد جهل.
وهذه وقفات مع بعض هذه الأسس النبوية، والقواعد المصطفوية، والأصول المحمدية:
الوقفة الأولى :
إن أول شيء أكد عليه في النهي من أمر الجاهلية الشرك بالله، فلقد جاء بكلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) شعار الإسلام وعلَم الملة، كلمة تُخلَع بها جميع الآلهة الباطلة، ويَثبتُ بها استحقاق الله وحده للعبادة.
فالله هو الخالق وما سواه مخلوق، وهو الرازق وما سواه مرزوق، وهو القاهر وما سواه مقهور. هذا هو دليل التوحيد وطريقه:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم:40].
والأموات قد أفضوا إلى ما قدموا، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً:{ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14].
الوقفة الثانية :
من القضايا المثارة في الخطاب النبوي التقريرُ بأن الناس متساوون في التكاليف حقوقاً وواجباتٍ، لا فرق بين عربيٍ ولا عجمي إلا بالتقوى، لا تفاضل في نسب، ولا تمايز في لون، فالنزاعات العنصرية والنعرات الوطنية ضربٌ من الإفك والدجل.
ومن الواقع الرديء في عصرنا أن توصف حضارةُ اليوم بحضارة العنصريات والقوميات. والشعوب الموصوفة بالتقدم تضمر في نفسها احتقاراً لأبناء القارات الأخرى، ولم تفلح المواثيق النظرية، ولا التصريحات اللفظية، فإنك ترى هذا التمييز يتنفس بقوةٍ من خلال المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لينبه منذ مئات السنين على ضلال هذا المسلك، ويعلن في ذلك المشهد العظيم: ((أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى)). وفي رواية عند الطبراني عن العدَّاء بن خالد قال: قعدت تحت منبره صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع، فصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه وقال: ((إن الله يقول: {ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }[الحجرات:13]، فليس لعربي على عجمي فضل، ولا لعجمي على عربي فضل، ولا لأسود على أحمر فضل، ولا لأحمر على أسود فضل إلا بالتقوى. يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم، وتجيء الناس بالآخرة، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً. أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عِبِّية الجاهلية [عِبِّيَّة الجاهلية: الكبر والفخر والنخوة] وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: رجل تقي كريم على الله، وفاجرٌ شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب)) رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود وغيرهما.
الوقفة الثالثة :
حفظُ النفوس وصيانة الدماء قضية خطيرة يثيرها خطاب الرسول عليه السلام إلى الأمة في كلماته التوديعية التأصيلية: ذلكم أن حكم القصاص في النفس والجراحات، كان من حِكَمه التشريعية: زجر المجرمين عن العدوان.
وقد عجزت الأمم المعاصرة بتقدمها وتقنية وسائلها أن توقف سيل الجرائم، وإزهاق النفوس، وزاد سوؤها وانكشفت سوأتها، حين ألغت عقوبة الاقتصاص من المجرمين، واكتفت بعقوبات هزيلة بزعم استصلاح المجرمين، وما زاد المجرمين ذلك إلا عتواً واستكباراً في الأرض ومكرَ السَّيِّء. ولكنه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم محسوم بالقصاص العادل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ}[البقرة:179]. إن في القصاص حياة حين يكفُّ من يَهمُّ بالجريمة عن الإجرام، وفي القصاص حياةٌ حين تُشفى صدور أولياء القتيل من الثأر الذي لم يكن يقف عند حدٍّ لا في القديم ولا في الحديث. ثأرٌ مثيرٌ للأحقاد العائلية، والعصبيات القبلية، يتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيلٍ، لا تكفُّ معه الدماء عن المسيل.
ويأتي حسمٌ عمليٌّ ومباشرة تطبيقية من محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العظيم، وفي إلغاء حكم جاهلي في مسألة الثأر، فاستمع إليه وهو يقول: ((ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث. كان مُسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل)) رواه مسلم .
إن في القصاص والحدود وأحكام الجنايات في الشريعة، حياةً ورحمةً، حياةً أعم وأشمل، حياة تشمل المجتمع كله، رحمة واسعة غير مقصورة على شفقة ورِقَّة تنبت في النفس نحو مستضعفٍ أو أرملةٍ أو طفلٍ، ولكنها رحمةٌ عامةٌ للقوي والضعيف والقريب والبعيد، والأمن المبسوط في بلاد الحرمين خير شاهد صدقٍ لقوم يتفكرون.
الوقفة الرابعة :
قضية المرأة، وما أدراك ما قضية المرأة، وكأنها قضية كل عصر وكل جيل وكل أمة، يأتي الخطاب النبوي في هذا الحشد الهائل ممن عاصر الجاهلية، ليضع الناس على الحق، والطريق المستقيم.
إن مواريث العرب والجاهلية قبل الإسلام احتقرت المرأة وازدرتها، بل لعلها رأت أنها شرٌ لابد منه، وفي أمم التقدم المعاصر أسفَّتْ بها في شهواتها إلى مدىً منحطٍ. وإذا كانت مواريث الجاهلية قد جعلت المرأة في قفص الاتهام ومظاهر الاستصغار، فإن مسلك التقدم المعاصر قد جعلها مصيدةً لكل الآثام، ولكنَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم أعطى كل ذي حق حقه، وحفظ لكلٍّ نصيبه:{ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ }[النساء:32]. في مسلكٍ وسط، ومنهجٍ عدلٍ، فالنساءُ شقائق الرجال:{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }[البقرة:228]، {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}[آل عمران:195]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[النحل:97]. وفي التوجيه النبوي: ((فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))رواه مسلم . إن إصلاح عوج المرأة راجع إلى زوجها؛ ليمنع العوج والنشوز، وليعيد الاستقرار إلى جوانب البيت في معالجة داخلية.
الوقفة الخامسة :
وثمة وقفةٌ – نبويةٌ - في هذا المشهد التوديعي العظيم. إنها قضية وحدة الأمة، وقضية الخلاف المذموم. يوقف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على أمر حاسم، وموقف جازم: ((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده- إن اعتصمتم به- كتاب الله))رواه البخاري ومسلم .
((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) متفق عليه من حديث جرير. ((ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون؛ ولكن في التحريش بينهم)) رواه مسلم والترمذي واللفظ له.
إنه تحذير مبكر من الرؤوفٍ الرحيم بالمؤمنين من فناءٍ ذريع، إذا هي استسلمت للخلاف، واسترسلت في الغفلة عن سنن الله، والجهل بما يحيكه الشيطان وإخوان الشيطان من مؤامرات.
إنها وصايا أودعها النبي صلى الله عليه وسلم ضمائر الناس. لا تتضمن قضايا فلسفية ولا نظريات خيالية. مبادئ بسطها النبي الكريم المبلغ البليغ في كلماتٍ سهلة سائغة، وإنها على وجازتها أهدى وأجدى من مواثيق عالمية طنانةٍ لا واقع لها. ذلك أن قائلها وواصفها محمداً صلى الله عليه وسلم كان عامر الفؤاد بحب الناس، والحرص عليهم والرأفة بهم. شديد التأكيد على ربطهم بالله وسننه وإعدادهم للقائه.
وإذا كان الإسلام في العهد النبوي قد دفن النعرات الجاهلية، والعصبيات الدموية، والشيطان قد يئس أن يُعبد في ذلك العهد، لكننا نخشى تجدد آماله في هذه العصور المتأخرة. تتجدد آماله في الفرقة والتمزيق. فالعالم الإسلامي اليوم تتوزعه عشراتُ القوميات، وتمشي جماهيره تحت عشرات الرايات، وهي قوميات ذات توجهات مقيتة. ما جلبت لأهلها إلا الذل والصغار، والفرقة والتمزق.
الوقفة السادسة :
ضعف حال المسلمين، واضطراب أمورهم، لم يكن إلا من عند أنفسهم، تسلط الأعداء لا يكون إلا بسبب الأعمال والإهمال؛ فيا حكام الإسلام ويا ولاة أمور المسلمين، اتقوا الله فيما وُلِّيتم، وأقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه، ارفعوا راية الكتاب والسنة، اتقوا الله في توجيه الرعية، وجِّهوهم إلى ما فيه ترسيخ الإيمان وحب الإسلام .
الخاتمة :
ما أحوج الأمة اليوم إلى مثل هذه الدروس النبوية..أما تتكررُ الروحُ التي سادتْ حجة الوداع؛ لكي تتشبعَ هذه الكثرةُ العددية للمسلمين اليومَ بكثافةٍ نوعيةٍ، وطاقاتٍ روحيةٍ؟ أما يحجُ المسلمون ليشهدوا منافع لهم تمحو فرقتَهم، وتسوي صفوفهم، وترد مهابتهم؟!
إن الحج العظيم في معناه الكبير يكون فيه الشيطان وأعوانه أصغر وأحقر. فيغيظ أعداء الله ويرجعون خاسئين، ناكصين على أعقابهم مذمومين مدحورين، يغيظ الكفار حين يرون جموع هذه الأمة، وقد استسلمت لربها، وأطاعت نبيها، واجتمعت كلمتها.
المرجع : كتاب توجيهات وذكرى، الجزء الثاني ص366،تأليف معالي الشيخ الدكتور: صالح بن عبدالله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة (خطبة عيد الأضحى المبارك ).
منقـــول
...