RSS
29-12-2011, 06:50 PM
اسم الكتاب : مسؤولية المرأة في الدعوة إلى الله .
ـــــ ـــــ
الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله داعياً إليه ومبشراً ونذيراً .. والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي دعا إلى الله على بصيرة ، وعلى من اتبعه على دعوته إلى يوم الدين ، جعلنا الله منهم بفضله ومنِّه.
أما بعد:
فإن الله تعالى أمرنا بعبادته وحده وطاعته ، ثم أمرنا بتبليغ دينه إلى الآخرين ، وهو الدعوة إلى الصراط المستقيم دين الإسلام، دين الله الحق، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: من الآية125) ، يقول ابن القيم ـ رحمه الله - : " الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به ، وما جاءت به رسله ، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا " ، وهذا يشمل الدعوة إلى العقيدة وأصول الإيمان ، والتحذير من الشرك وأنواعه ، والحث على فعل الطاعات والواجبات ، والحث على اجتناب المعاصي والمحرمات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتحبيب في الفضيلة والتنفير عن الرذيلة ، واتباع الحق ، ونبذ الباطل.
كما أوجبت الشريعة على المسلمين التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتضافر الجهود ، ويتعاون الجميع على إقامة الحق والعدل ومحاربة الفساد والظلم ، وقد جاء الخطاب الشرعي بالأمر بالدعوة إلى الله عاماً لجميع الأمة يشمل الجنسين رجالاً ونساءً؛ لأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطاباً للنساء أيضاً ، إلا موضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيه ، والقاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها ، فإن للمرأة حقوق وعليها واجبات مثل الرجل إلا فيما يختلفان فيه من القدرة والكفاية مما هو مناط التكليف ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " إنما النساء شقائق الرجال "– صحيح- ، وعلى ذلك فالدعوة إلى الله واجبة في حق النساء كما هي واجبة في حق الرجال كل حسب قدرته وعلمه ، ومن الآيات والأحاديث التي جاءت آمرة بالدعوة إلى الله تعالى، قوله جل وعلا : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) ، يقول الشوكاني – رحمه الله تعالى – في تفسيره لهذه الآية (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) أي : ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي، وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعوة إلى الله ، أي الدعوة إلى الإيمان به وتوحيده ، والعمل بما شرعه لعباده ، وجاء الأمر بها صريحاً في قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104) ، يقول ابن كثير ـ رحمه الله - : " المقصود منها أن تكون فرقة متصدية لهذا الشأن وإن كان واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه " وكذلك في قوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125) وكما هو مقرر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته ، إلا إذا وجدت قرينة تخرج الأمة من الخطاب وتخصصه للنبي صلى الله عليه وسلم , وأما النص على وجوب الدعوة إلى الله في السنة فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان "ـ صحيح- ، وكما قال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه ، فتدعون فلا يستجاب لكم " ، وكل هذه النصوص وغيرها كثير تدل على وجوب القيام بالدعوة إلى الله ، والأمر بذلك عام على جميع المسلمين رجالاً ونساءً ، ولكن للدعوة مجالات وميادين مختلفة ، منها ما يكون مناسباً للجميع ، ومنها ما يكون مناسباً لفئة دون أخرى ، وقد تأكد هذا الأمر في قوله تعالى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ )(التوبة: من الآية71) ، ولقد ضرب لنا نساء الأمة في جيلهن الأول أروع المواقف الدعوية مع الزوج والأبناء والأهل وفي أوساط النساء، كأمثال أمهات المؤمنين وبنات النبي صلى الله عليه وسلم وكثير من نساء الصحابة ، كأسماء ذات النطاقين وأم سليم ، ونسيبة بنت كعب ، وصفية بنت عبد المطلب ، وأم شريك وغيرهن رضوان الله عليهن جميعاً ، وعلى هذا فلا يختص هذا الواجب بالعلماء والدعاة وطلاب العلم ؛ بل هو عام على الجميع، ولكن يختص العلماء وطلاب العلم بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه؛ بل إن الواجب يتعلق بالعلم ولو بجزئية يسيرة من الدين ، فمن تعلمها وصار عالماً بها وجب عليه العمل بها مع تبليغها للآخرين ، فالدعوة إلى الله لا تقتصر على زمان دون زمان أو مكان دون آخر ، ولا على فرد دون آخر ، أو على جماعة أو هيئة دون أخرى ، بل إن المسئولية هي مسئولية كل مسلم ومسلمة ، كلٌ على حسب قدرته وعلمه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلغوا عني ولو آية "– صحيح- ، وبعض النساء تحصر الدعوة في الدروس العلمية والمحاضرات ، وإلقاء الكلمات ، وتستبعد أن يكون قيام المرأة بتربية أولادها وتأثيرها على زوجها ونصحها لزميلاتها في العمل أو صديقاتها في الدراسة أنه دعوة ، بينما هي في الحقيقة دعوة مباركة بل هي أهم مجالات الدعوة .
هناك جانب مهم في موضوع الدعوة له أثر عظيم في تقوية الرغبة في خوض مجالات الدعوة والحرص عليها ، كما أنه يبعث العزيمة ويحمل على الصبر على ما قد يصيب الداعية من عوارض وعوائق ، ألا وهو العلم بما أعده الله تعالى من الأجر العظيم والمنزلة الرفيعة والعاقبة الكريمة التي شَرَّف الله بها الدعاة على طريق الخير والصلاح ، فعندها تقوم المرأة بمهام الدعوة المتنوعة سواءً داخل بيتها أو خارجه وهي صابرة محتسبة ثابتة راجية المولى عز وجل أن يفي لها ما وعدها .
فمن هذه الفضائل العظيمة على وجه الاختصار :
1-من دعا الناس فهو خير الناس:
قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: 110) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " – صحيح-.
2-الدعاة هم المفلحون في الدنيا والآخرة :
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104).
3-الدعاة أحسن الناس حديثاً :
قال تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) (فصلت: من الآية33) .
4-أهل السماء والأرض يستغفرون لمن دعا إلى الله :
قال عليه أفضل الصلاة والسلام : " إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها والحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير " – صحيح- ، وصلاة الله تعالى على خلقه ثناء ورحمة ، وصلاة الملائكة والخلق دعاء واستغفار .
5-الدعاة لا تنقطع أجورهم :
قال عليه الصلاة والسلام : " من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "-رواه مسلم- .
فتكون لهم مثل أجور من كانوا سبباً في إصلاحهم وهدايتهم وتعليمهم ، فما أعظم هذا الأجر وأيسر طرق تحصيله ، إنه يتحقق بمجرد الدعوة إلى الخير والاستجابة لها.
6-الدعاة لهم في هدايتهم لغيرهم ما هو خير من الدنيا وما فيها .
كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي – رضي الله عنه –
: " لئن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " – صحيح- ، هذا في شأن هداية شخص واحد ، فكيف إذا كان سبباً في هداية أسرة بكاملها أو جماعة برمتها أو أمة بأسرها ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، إلى غير ذلك من الفضائل والمكرمات التي امتنّ الله بها على من دعا إلى سبيله ، ولتعلم الأخت المسلمة أنها إذا أقبلت على الدعوة بهذه النية وهذه الثقة بالله تعالى فسوف يحدث ذلك لها ثباتاً عظيماً ، ولمن حولها تحولاً كبيراً مباركاً بإذن الله تعالى ، إما إذا تكاتفت الجهود فسوف يبدِّل الله تعالى الحال غير الحال ، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
إلى جانب أن الدعوة إلى الله تعالى سمة من سمات المؤمنين الصادقين وخصيصة من خصائصهم المميزة لهم ، وأن من تخلى عن هذه السمة والخصيصة فإنه يتسم بصفات المنافقين كما في قوله تعالى :
(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) (التوبة: 67) .
أو ينحدر إلى أوصاف اليهود الملعونين كما قال تعالى :
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
(المائدة78 ، 79) ، وحيثما تحدثنا عن أهمية الدعوة إلى الله ووجوبها في حق المرأة وفضلها فمن المهم أن ألقي الضوء على بعض مجالات الدعوة وميادينها التي هي من مهام المرأة ومسئوليتها ، ومما سبق ذكره أن الدعوة إلى الله لا تنحصر في مكان دون أخر ، ولا على فئة دون أخرى ، وإنما مجال الدعوة يستوعب كل الأمكنة والأزمنة والأشخاص ، لأجل ذلك فإن المجالات الدعوية للمرأة تشمل كل من يقع تحت مسئوليتها أو تتعامل معه ، سواءً في بيتها مع أفراد أسرتها وأقاربها ، أو في المجتمع المحيط بها مع من تخالط من الجيران ومن يقع تحت مسئوليتها كالخدم أو الطالبات إذا كانت مدرسة ، أو المرضى إذا كانت طبيبة .
منقول
ـــــ ـــــ
الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله داعياً إليه ومبشراً ونذيراً .. والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي دعا إلى الله على بصيرة ، وعلى من اتبعه على دعوته إلى يوم الدين ، جعلنا الله منهم بفضله ومنِّه.
أما بعد:
فإن الله تعالى أمرنا بعبادته وحده وطاعته ، ثم أمرنا بتبليغ دينه إلى الآخرين ، وهو الدعوة إلى الصراط المستقيم دين الإسلام، دين الله الحق، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: من الآية125) ، يقول ابن القيم ـ رحمه الله - : " الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به ، وما جاءت به رسله ، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا " ، وهذا يشمل الدعوة إلى العقيدة وأصول الإيمان ، والتحذير من الشرك وأنواعه ، والحث على فعل الطاعات والواجبات ، والحث على اجتناب المعاصي والمحرمات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتحبيب في الفضيلة والتنفير عن الرذيلة ، واتباع الحق ، ونبذ الباطل.
كما أوجبت الشريعة على المسلمين التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتضافر الجهود ، ويتعاون الجميع على إقامة الحق والعدل ومحاربة الفساد والظلم ، وقد جاء الخطاب الشرعي بالأمر بالدعوة إلى الله عاماً لجميع الأمة يشمل الجنسين رجالاً ونساءً؛ لأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطاباً للنساء أيضاً ، إلا موضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيه ، والقاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها ، فإن للمرأة حقوق وعليها واجبات مثل الرجل إلا فيما يختلفان فيه من القدرة والكفاية مما هو مناط التكليف ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " إنما النساء شقائق الرجال "– صحيح- ، وعلى ذلك فالدعوة إلى الله واجبة في حق النساء كما هي واجبة في حق الرجال كل حسب قدرته وعلمه ، ومن الآيات والأحاديث التي جاءت آمرة بالدعوة إلى الله تعالى، قوله جل وعلا : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) ، يقول الشوكاني – رحمه الله تعالى – في تفسيره لهذه الآية (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) أي : ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي، وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعوة إلى الله ، أي الدعوة إلى الإيمان به وتوحيده ، والعمل بما شرعه لعباده ، وجاء الأمر بها صريحاً في قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104) ، يقول ابن كثير ـ رحمه الله - : " المقصود منها أن تكون فرقة متصدية لهذا الشأن وإن كان واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه " وكذلك في قوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125) وكما هو مقرر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته ، إلا إذا وجدت قرينة تخرج الأمة من الخطاب وتخصصه للنبي صلى الله عليه وسلم , وأما النص على وجوب الدعوة إلى الله في السنة فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان "ـ صحيح- ، وكما قال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه ، فتدعون فلا يستجاب لكم " ، وكل هذه النصوص وغيرها كثير تدل على وجوب القيام بالدعوة إلى الله ، والأمر بذلك عام على جميع المسلمين رجالاً ونساءً ، ولكن للدعوة مجالات وميادين مختلفة ، منها ما يكون مناسباً للجميع ، ومنها ما يكون مناسباً لفئة دون أخرى ، وقد تأكد هذا الأمر في قوله تعالى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ )(التوبة: من الآية71) ، ولقد ضرب لنا نساء الأمة في جيلهن الأول أروع المواقف الدعوية مع الزوج والأبناء والأهل وفي أوساط النساء، كأمثال أمهات المؤمنين وبنات النبي صلى الله عليه وسلم وكثير من نساء الصحابة ، كأسماء ذات النطاقين وأم سليم ، ونسيبة بنت كعب ، وصفية بنت عبد المطلب ، وأم شريك وغيرهن رضوان الله عليهن جميعاً ، وعلى هذا فلا يختص هذا الواجب بالعلماء والدعاة وطلاب العلم ؛ بل هو عام على الجميع، ولكن يختص العلماء وطلاب العلم بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه؛ بل إن الواجب يتعلق بالعلم ولو بجزئية يسيرة من الدين ، فمن تعلمها وصار عالماً بها وجب عليه العمل بها مع تبليغها للآخرين ، فالدعوة إلى الله لا تقتصر على زمان دون زمان أو مكان دون آخر ، ولا على فرد دون آخر ، أو على جماعة أو هيئة دون أخرى ، بل إن المسئولية هي مسئولية كل مسلم ومسلمة ، كلٌ على حسب قدرته وعلمه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلغوا عني ولو آية "– صحيح- ، وبعض النساء تحصر الدعوة في الدروس العلمية والمحاضرات ، وإلقاء الكلمات ، وتستبعد أن يكون قيام المرأة بتربية أولادها وتأثيرها على زوجها ونصحها لزميلاتها في العمل أو صديقاتها في الدراسة أنه دعوة ، بينما هي في الحقيقة دعوة مباركة بل هي أهم مجالات الدعوة .
هناك جانب مهم في موضوع الدعوة له أثر عظيم في تقوية الرغبة في خوض مجالات الدعوة والحرص عليها ، كما أنه يبعث العزيمة ويحمل على الصبر على ما قد يصيب الداعية من عوارض وعوائق ، ألا وهو العلم بما أعده الله تعالى من الأجر العظيم والمنزلة الرفيعة والعاقبة الكريمة التي شَرَّف الله بها الدعاة على طريق الخير والصلاح ، فعندها تقوم المرأة بمهام الدعوة المتنوعة سواءً داخل بيتها أو خارجه وهي صابرة محتسبة ثابتة راجية المولى عز وجل أن يفي لها ما وعدها .
فمن هذه الفضائل العظيمة على وجه الاختصار :
1-من دعا الناس فهو خير الناس:
قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: 110) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " – صحيح-.
2-الدعاة هم المفلحون في الدنيا والآخرة :
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران:104).
3-الدعاة أحسن الناس حديثاً :
قال تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) (فصلت: من الآية33) .
4-أهل السماء والأرض يستغفرون لمن دعا إلى الله :
قال عليه أفضل الصلاة والسلام : " إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها والحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير " – صحيح- ، وصلاة الله تعالى على خلقه ثناء ورحمة ، وصلاة الملائكة والخلق دعاء واستغفار .
5-الدعاة لا تنقطع أجورهم :
قال عليه الصلاة والسلام : " من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "-رواه مسلم- .
فتكون لهم مثل أجور من كانوا سبباً في إصلاحهم وهدايتهم وتعليمهم ، فما أعظم هذا الأجر وأيسر طرق تحصيله ، إنه يتحقق بمجرد الدعوة إلى الخير والاستجابة لها.
6-الدعاة لهم في هدايتهم لغيرهم ما هو خير من الدنيا وما فيها .
كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي – رضي الله عنه –
: " لئن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " – صحيح- ، هذا في شأن هداية شخص واحد ، فكيف إذا كان سبباً في هداية أسرة بكاملها أو جماعة برمتها أو أمة بأسرها ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، إلى غير ذلك من الفضائل والمكرمات التي امتنّ الله بها على من دعا إلى سبيله ، ولتعلم الأخت المسلمة أنها إذا أقبلت على الدعوة بهذه النية وهذه الثقة بالله تعالى فسوف يحدث ذلك لها ثباتاً عظيماً ، ولمن حولها تحولاً كبيراً مباركاً بإذن الله تعالى ، إما إذا تكاتفت الجهود فسوف يبدِّل الله تعالى الحال غير الحال ، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
إلى جانب أن الدعوة إلى الله تعالى سمة من سمات المؤمنين الصادقين وخصيصة من خصائصهم المميزة لهم ، وأن من تخلى عن هذه السمة والخصيصة فإنه يتسم بصفات المنافقين كما في قوله تعالى :
(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) (التوبة: 67) .
أو ينحدر إلى أوصاف اليهود الملعونين كما قال تعالى :
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
(المائدة78 ، 79) ، وحيثما تحدثنا عن أهمية الدعوة إلى الله ووجوبها في حق المرأة وفضلها فمن المهم أن ألقي الضوء على بعض مجالات الدعوة وميادينها التي هي من مهام المرأة ومسئوليتها ، ومما سبق ذكره أن الدعوة إلى الله لا تنحصر في مكان دون أخر ، ولا على فئة دون أخرى ، وإنما مجال الدعوة يستوعب كل الأمكنة والأزمنة والأشخاص ، لأجل ذلك فإن المجالات الدعوية للمرأة تشمل كل من يقع تحت مسئوليتها أو تتعامل معه ، سواءً في بيتها مع أفراد أسرتها وأقاربها ، أو في المجتمع المحيط بها مع من تخالط من الجيران ومن يقع تحت مسئوليتها كالخدم أو الطالبات إذا كانت مدرسة ، أو المرضى إذا كانت طبيبة .
منقول