RSS
04-11-2011, 07:51 PM
الباحث :طارق عبد الفتاح الجعبري
ماجستير بناء مؤسسات
محاضر في جامعة القدس المفتوحة / مدير جمعية الشبان المسلمين
الإبداع يعدّ سرّا من أسرار التفوّق في ميادين الحياة، ويمكن صاحبه من كشف سبل جديدة في تغيير العالم الذي يحيط بنا والخلاص من الملل والتكرار الذي نحياه،والإبداع أصبح المادة الأساسية في عمليات التغيير والتطوير،ويعتبر الإبداع والتفكير الإبداعي من أهم الأهداف التربوية في التربية،و تربية وتعليم التلاميذ المبدعين في الدول المتقدمة كان من العوامل الأساسية التي أدت إلى التقدم العلمي والاقتصادي في العصر الحديث، وإذا كان الإبداع والاهتمام بالمبدعين مهماً بالنسبة للمجتمعات المتقدمة صناعياً، فإنه ينبغي أن تتزايد أهميته في الدول النامية، بل وتتفوق عليها في اهتمامها به،وعليه نرى من الأهمية بمكان أن يأخذ التعليم في بلادنا المنحى الإبداعي ويلج مداخل الإبداع والتفكير الإبداعي اهتمام المسئولين والباحثين حتى نضع أجيالنا القادمة على طريق النجاح والتقدم.
وفي هذه المقالة نستعرض المقارنات ما بين طرق التعليم الإبداعية والطرق الشائعة في عالمنا العربي ،من خلال محاور عدة أهمها: الأهداف والمعلومات والخبرة والمتعلم والمشاركة والرغبة في التعلم ومناخ التعليم واستمرارية المعرفة والوقت والمصادر والتعزيز والتقويم ،كما أننا نأمل الاستزادة في مواضيع التفكير الإبداعي وأساليب تنميته لدى الطلاب ،والبيان حول المدرسة المبدعه والمعلم المبدع .
أما مفهوم الإبداع فهو لغة من بدعه بدعا : "أنشأه على غير مثال سابق فهو بديع ، ويقال هذا من البدائع : مما بلغ الغاية في بابه" (1) ،وهو "إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، و بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلاً. وفي التنزيل: قُل ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُل؛ أَي ما كنت أَوّلَ من أُرْسِلَ، قد أُرسل قبلي رُسُلٌ كثير. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْته لا على مِثال، والإبداع تحقيق انتاج جديد وذي قيمة من اجل المجتمع (2) ويُعرّف التفكير الإبداعي بأنه الاستعداد والقدرة على إنتاج شيء جديد. أو أنه عمليّة يتحقق النتاج من خلالها ، أو أنه حلّ جديد لمشكلة ما، أو أنه تحقيق إنتاج جديد وذي قيمة من أجل المجتمع(3)
والإبداع شكل راق للنشاط الإنساني(4) و التفكير الإبداعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإبداع ، حيث إن الإبداع يصف الناتج ، بينما التفكير الإبداعي يصف عمليات وأسلوب التفكير ، والإبداع صفة شخصية بينما التفكير الإبداعي أسلوب عمل أو أسلوب تفكير ، لذا كان تعلمه ممكناً كتعلم أي مهارة ، وعند الحديث عن التعليم الإبداعي في مجتمعنا ومدارسنا ، لا بد من الإشارة إلى نتائج بحثية هامة في هذا المجال وأهمها :
1 ـ جميع الطلاب على اختلاف أعمارهم وعروقهم، مبدعون لحد ما، بمعنى أن قدرات التفكير الإبداعي موجودة عند جميع الطلاب مهما اختلفت أعمارهم وعروقهم وجنسهم.
2 ـ الطلاب متفاوتون في القدرات الإبداعية، بمعنى أن الفروق الموجودة بينهم هي فروق في الدرجة لا في النوع، أو فروق كمية لا كيفية، وعليه، يتوزع الطلاب بالنسبة لصفة الإبداع توزيع اطبيعيا.
3 ـ للبيئة أهمية كبيرة في تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي، وبالتالي تؤثر على الصحة العقلية والقدرات الإبداعية للطلاب.
4 ـ يتعلم المتعلمون بدرجة أكبر وفاعلية أعلى في البيئات التي تهيئ شروط تنمية الإبداع. فقد تتوفر عند المتعلم القدرات العقلية التي تؤهله للإبداع، إلاّ أن البيئة (البيت، المدرسة، مجموعة الرفاق، المجتمع) قد لا يتوفر فيها التربة الصالحة للإنتاج الإبداعي الخلاق(5).
والمطلع على واقع مدارسنا ومدى التحصيل العلمي والمعرفي لطلابنا ،تصدمه الحقائق المذهلة لهذا الواقع المرير،وأصبحت التحديات التربوية والتعليمية في المدارس في هذا العصر المتسارع معرفيا ،أصبحت تحديات ملحة ومتواصلة لا يسع أحد تجاهلها ،وهو ما دعا الكثير من التربويين لإعلان ثورة معرفية وسلوكية وإدارية شاملة المجتمع ومؤسساته على اختلافها ،وليس الخلل في نظام التدريس التقليدي فقط، ولكن المشكلة تكمن في تغير الظروف المحيطة بالتعليم دون أن يتلاءم نظام التدريس مع المستجدات، فالانهيال المعرفي، والتدفق الفكري، والضخ الفضائي؛ قلل من دور المدرسة كمصدر وحيد للمعارف،وهنا ننحاز إلى الإبداع نهجا للتنشئة والتربية والتعليم ،معتقدين أن الإبداع والتفكير الإبداعي هو طريق الحضارة في هذا الزمان ، كما كان طريقا ومنهجا لعلمائنا وحضارتنا الإسلامية . (6)
ومن أهداف التعليم الإبداعي أن يصبح المتعلم مفكراً ومبدعاً،و يتفاعل مع مجتمعه ويطوره،و أن يساهم في حل مشكلات مجتمعه بطرق فعّالة مُبتكرة.والعمل على تنمية قدرات المتعلم إلى أقصى ما تسمح به، في حين أن التعليم الشائع تتركز أهدافه على اجتياز الاختبارات التي تُعقد للمتعلم،و تحصيل المعلومات والمهارات الأساسية.
كما أن المعلم المبدع يمتاز بمرونة التفكير،و مُلم بمادته،و مخطط لمواقف التدريس، ويعمل على اختيار الإستراتيجية المناسبة وينفذها، وقادر على مواجهة المتغيرات الصفية، ومُبدع مُبتكر في حياته العامة،بينما المعلم التقليدي غالباً ما يكون جامدا في تفكيره، ميّال إلى الإتباع لا الإبداع، مستجيب للأوامر، غير ميّال للمبادرة، وخططه التدريسية غير مرنة، ونمطي في حياته العامة.
وفي التعليم الإبداعي فمكانة المعلومات تكمن بأنها وسائل للوصول إلى حلول، ولتنمية القدرة على حل المشكلات،وهي متغيرة ونسبية، لذا يجب إعادة النظر فيها وعدم التسليم بها فوراً.أما حاضر تعليمنا فالمعلومة غاية في حد ذاتها، و تُقدم وكأنها ثابتة لا تتغير، والتفكير في مدى صحتها هو جهد ضائع، وعلى المعلم والتلميذ تجنب ممارسته ما أمكن.
وفي التعليم الإبداعي نهتم بالخبرة وطرق الوصول إليها، وتصبح الخبرة ذات معنى حينما يصل إليها المتعلم بنفسه،وتُقدم للمتعلم متكاملة تناسب مستويات نموه ومتوافقة مع بيئته، وتدفعه للتقدم والإبداع، لكن في تعليمنا الاعتيادي فإن الاهتمام ينصب على الخبرات المعرفية، وتحديداً على خبرات التسميع والإستظهار،وتُقدم الخبرة للمتعلم مُفككة، بعيدة عن بيئته، ونراها دافعة للملل لا للمثابرة، وعادة تكون أقل أو أعلى من مستواه.
أما محور المتعلم في التعليم الإبداعي فإن المتعلم هو محور العملية التعليمية، والإبداع هنا يراعي ميول المتعلم وقدراته،ويهتم بالفروق الفردية بين المتعلمين وتوظفها، ويهتم بتنمية قدرات المتعلم، وخاصة قدراته الإبداعية، ويهتم بإكساب المتعلمين روح البحث والتنقيب والاكتشاف والإبداع ويهتم بتُنمية دوافع المتعلم خاصة الداخلية منها ، وعلى الاتجاه الآخر فان التعليم الاعتيادي والمعلومات وكسبها هو محور العملية التعليمية،ولا تهتم كثيراً بميول المتعلم ولا اهتماماته،وهو تعليم لا يهتم بالفروق بين المتعلمين عادة فهو أقرب لقيادة القطيع، وتركز على قدرات الحفظ والتسميع لدى المتعلم، و تُقدم المعلومات للمتعلم جاهزة، لذا فهي مملة غالباً، والإيجابية فقط للمعلم،ولا تهتم بدوافع المتعلم، فهي تنمو عرضاً ومعظمها خارجية(7 ).
وفي مشاركة المتعلم المُبدع وغير المُبدع ،فان المتعلم غير المُبدع يساير أقرانه المبدعين، ومستواه يتقدم مع ـ رعاية المعلم ـ بقدر ما يملك من قدرات واستعدادات، والمتعلم المُبدع يضطر غالباً إلى مسايرة أقرانه غير المُبدعين فيهبط مستواه.
أما محور الرغبة في التعلم ففي التعليم الإبداعي فتزداد رغبة المتعلم في التعلم، ويحرص على المشاركة في المناقشات والنشاطات الإبداعية،وتندثر ظواهر الغش وظهور التعاون والتنافس الشريف ،وعلى الوجه الآخر فإن التعليم الروتيني تنتشر فيه كثير من المشكلات التربوية والتعليمية، وظواهر الاتكالية والغش، والنقل الآلي، وانخفاض مستويات التحصيل بعامة، ومحاولات التفرّد والبعد عن الجماعية،وأيضا يمل المتعلم الجو المدرسي، ويضطر للغياب والهروب وربما التسرب من التعليم كلية .
أما مناخ التعليم والتعلم الإبداعي فإنه يمتاز بالحرية والتقبُّل والتعاون،وتعدد الآراء والمناقشات الحرة، والتعبير عن الذات، و يُعوّد المتعلم على البحث والتنقيب والاستقصاء،ويسيطر على العمل روح النشاط والود والمشاركة،بيمنا التعليم غير الإبداعي فهو جو يسوده التقيُّد غالباً والخضوع والاستبداد،ولا مانع من المناقشة التي يقودها المعلم ويوجهها، مع الاعتراض على مبادأة المتعلم بها غالباً،وسيطرة روح السلبية والاعتماد على الآخر، وندرة المشاركة الفعلية للمتعلم.
وفي روح العصر فبتعليمنا الإبداعي نهتم بالاستفادة من خبرات الآخرين المتقدمين في جميع المجالات، ونركز على ضرورة استيعابها وتطويرها،ونهتم بالمستقبل هدفاً، وتستعين بالحاضر في فهم الماضي وتمحيصه،أما التعليم العادي فهو يركز كثيراً على الماضي، ويتسم بالبطء في استيعاب الحاضر، ونادراً ما يهتم بالمستقبل.
ومن أهم أهداف التعليم استمرارية المعرفة ومن خلال ممارسة التعليم الإبداعي يؤدي موقف التعليم والتعلم الإبداعي إلى حل مشكلة مُلحّة، وبروز مشكلات أخرى، تُمثّل نقاط بدء لإبداعات جديدة من جانب المتعلم، في حين أن التعليم الإبداعي فان استمرارية المعرفة لا تظهر إلا عرضاً بدون تخطيط مسبق، وتتمثل فقط في ربط الموضوعات ظاهرياً بين مقرر وآخر يليه،و يمارس المتعلم مهارات التفكير العلمي بدءاً من الشعور بمشكلة مُلحّة، وانتهاءً بالتوصل للحل الذي يتصف بالإبداع والأصالة من خلال علمية التفكير،بينما المعلومات تتقدم جاهزة، ولذا فالتفكير محصور في التذكّر والأنشطة التلقينية.
و الوقت غير مقيّد، والعبرة ببلوغ الأهداف، فالتعلم والإبداع يتم وفقاً للخطوات الذاتية للمتعلم، لا للمعلّم،أما تعليمنا الحالي فالوقت مُحدد سلفاً، وعلى الكل السير وفق مُعدّل واحد هو خطوات المعلم غالباً، دون اعتبار للمتعلم، و هناك أوقات فراغ يُنمّي المتعلم فيها هواياته، وتتفتح فيها قدراته، ويمارس فيها ما يتناسب مع ميوله، بينما زحام المقررات لا يتيح أي وقت فراغ، لذا فممارسة الهوايات وتلبية الميول تأتي عرضاً.
وعملية التعليم الإبداعي تهتم كثيراً بتنوّع مصادر التعلّم التقليدية، والتقنية، والخبرات المباشرة،في حين أن المصدر الحقيقي للمعلومات هو الكتاب، وتأتي مصادر التعلّم التقليدية الأخرى عرضاً،وأيضا تهتم بالجوانب التطبيقية والدراسات المعملية، بجانب النواحي النظرية،أما التعليم الإبداعي يتركز الاهتمام بالجوانب النظرية، وتأتي الجوانب الأخرى عرضاً، ودون تخطيط غالباً.
ويحتل التعزيز مكان القلب، ويمثّل تقدير المتعلم وإثابته وتقبله جوهر الطرائق الإبداعية،بينما يحصل المتعلم على تعزيز لفظي نمطي غالباً على تحصيله وحفظه، لا على إبداعه، فالأخير ربما يُعاقب عليه، ويُسخر منه نتيجته.
والتقويم في عملية التعليم الإبداعي تهتم بجوانب وقدرات التفكير الإبداعي، والاختبارات مفتوحة وإجاباتها غير مُحددة سلفاً،وتهتم بالاختبارات الموقفية والعملية، بينما التقويم الروتيني يهتم بجوانب الاستظهار والحفظ، والاختبارات نمطية وحلولها محددة لا تسمح بالتفكير، والإبداع يُمثّل خروجاً عن الإجابة عنها،وتعتمد على الاختبارات التحصيلية المُعدة بدون علمية تُذكر(8).
والإبداع يزيد ثقة المتعلم بنفسه وبقدراته،ويساعده في نمو دوافعه الداخلية للتعلم والإنجاز،والشعور بالبهجة والرضا والنجاح، وتنمو ثقة المتعلم بنفسه بقدر حصوله على درجات عليا في الاختبارات التحصيلية ،أما تعليمنا الحالي فيتخلله مشاعر القلق والخوف والتوتر خاصة أنه لا يهتم بقدرات المتعلم وهواياته وميوله.
وخلاصة القول أن الإبداع طريق النجاح والتقدم والتطور وأن التفكير والتعليم الإبداعي السبيل الموصل للإبداع والمنتج الإبداعي، وفي ضوء التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم بأكمله، وما يرافقه من نتائج وتغيرات اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية، نرى أن الكشف عن الإبداع واستثماره يعد من أهم الأهداف التي يجب أن تسعى إليها الأمم إذا أرادت مواكبة هذا التقدم(9 ).
وقد حظي التفكير الإبداعيّ باهتمام كبير من علماء التربية وعلم النفس, إذ أصبح الآن اللغة السائدة للعصر الحديث, حيث انتقل مركز اهتمام علماء التربية والنفس, والعوامل التي تسهم في الإبداع, كما تحوّل الاهتمام من التعليم التلقينيّ إلى التعليم ألابتكاري الذي يعتمد على تعلّم التفكير, وطرق مواجهة المشكلات, وتقديم الحلول الابتكاريّة لها، لما لقدرات التفكير الإبداعيّ من دور مهمّ في تطوير المجتمع الحديث وازدهاره, وما يمكن أن يتولّد عن هذه القدرات من أفكار أصيلة, وحلول جديدة للمشكلات اليوميّة للأفراد والمجتمع، (10 ).
قائمة المراجع والمصادر:
1. انيس ،ا.منتصر ،ع.الصوالحي ،ع.احمد ،م (1972) : المعجم الوسيط . الطبعة الثانية .دار المعارف، القاهرة.
2. شكور، ج، و(1994): كيف تجعلين ابنك مجتهدا ومبدعا. الطبعة الأولى. عالم الكتب ، بيروت).
3. حبش،ز(2005):
التفكيرالابداعي
4. الحمادي ،ع (1999): صناعة الإبداع . الطبعة الأولى . دار ابن حزم ،بيروت .
5. المصري،م:أهمية التدريس لتنمية مهارات التفكير الإبداعي ،
6. هيجان ،ع ،ا (1999) : المدخل الإبداعي لحل المشكلات . الطبعة الأولى.أكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية ، الرياض .
7. جعبري،ط (2008 ): دور الإدارة العليا في تحقيق الإبداع المؤسسي في المنظمات الأهلية في جنوب الضفة الغربية من وجهة نظر المديرين ،رسالة ماجستير غير منشورة.
8. جامعة القدس المفتوحة، (2003): التفكير الإبداعي. الطبعة الأولى، عمان.
9. كنعان ،أ(2004 ): التربية الحديثة وتنمية الإبداع ،حلب.
10. روشكا،أ(1989 ) : الإبداع العام و الخاص، ترجمة غسان عبد الحي أبوفخر ،عالم المعرفة،الكويت.
منقول
ماجستير بناء مؤسسات
محاضر في جامعة القدس المفتوحة / مدير جمعية الشبان المسلمين
الإبداع يعدّ سرّا من أسرار التفوّق في ميادين الحياة، ويمكن صاحبه من كشف سبل جديدة في تغيير العالم الذي يحيط بنا والخلاص من الملل والتكرار الذي نحياه،والإبداع أصبح المادة الأساسية في عمليات التغيير والتطوير،ويعتبر الإبداع والتفكير الإبداعي من أهم الأهداف التربوية في التربية،و تربية وتعليم التلاميذ المبدعين في الدول المتقدمة كان من العوامل الأساسية التي أدت إلى التقدم العلمي والاقتصادي في العصر الحديث، وإذا كان الإبداع والاهتمام بالمبدعين مهماً بالنسبة للمجتمعات المتقدمة صناعياً، فإنه ينبغي أن تتزايد أهميته في الدول النامية، بل وتتفوق عليها في اهتمامها به،وعليه نرى من الأهمية بمكان أن يأخذ التعليم في بلادنا المنحى الإبداعي ويلج مداخل الإبداع والتفكير الإبداعي اهتمام المسئولين والباحثين حتى نضع أجيالنا القادمة على طريق النجاح والتقدم.
وفي هذه المقالة نستعرض المقارنات ما بين طرق التعليم الإبداعية والطرق الشائعة في عالمنا العربي ،من خلال محاور عدة أهمها: الأهداف والمعلومات والخبرة والمتعلم والمشاركة والرغبة في التعلم ومناخ التعليم واستمرارية المعرفة والوقت والمصادر والتعزيز والتقويم ،كما أننا نأمل الاستزادة في مواضيع التفكير الإبداعي وأساليب تنميته لدى الطلاب ،والبيان حول المدرسة المبدعه والمعلم المبدع .
أما مفهوم الإبداع فهو لغة من بدعه بدعا : "أنشأه على غير مثال سابق فهو بديع ، ويقال هذا من البدائع : مما بلغ الغاية في بابه" (1) ،وهو "إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، و بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلاً. وفي التنزيل: قُل ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُل؛ أَي ما كنت أَوّلَ من أُرْسِلَ، قد أُرسل قبلي رُسُلٌ كثير. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْته لا على مِثال، والإبداع تحقيق انتاج جديد وذي قيمة من اجل المجتمع (2) ويُعرّف التفكير الإبداعي بأنه الاستعداد والقدرة على إنتاج شيء جديد. أو أنه عمليّة يتحقق النتاج من خلالها ، أو أنه حلّ جديد لمشكلة ما، أو أنه تحقيق إنتاج جديد وذي قيمة من أجل المجتمع(3)
والإبداع شكل راق للنشاط الإنساني(4) و التفكير الإبداعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإبداع ، حيث إن الإبداع يصف الناتج ، بينما التفكير الإبداعي يصف عمليات وأسلوب التفكير ، والإبداع صفة شخصية بينما التفكير الإبداعي أسلوب عمل أو أسلوب تفكير ، لذا كان تعلمه ممكناً كتعلم أي مهارة ، وعند الحديث عن التعليم الإبداعي في مجتمعنا ومدارسنا ، لا بد من الإشارة إلى نتائج بحثية هامة في هذا المجال وأهمها :
1 ـ جميع الطلاب على اختلاف أعمارهم وعروقهم، مبدعون لحد ما، بمعنى أن قدرات التفكير الإبداعي موجودة عند جميع الطلاب مهما اختلفت أعمارهم وعروقهم وجنسهم.
2 ـ الطلاب متفاوتون في القدرات الإبداعية، بمعنى أن الفروق الموجودة بينهم هي فروق في الدرجة لا في النوع، أو فروق كمية لا كيفية، وعليه، يتوزع الطلاب بالنسبة لصفة الإبداع توزيع اطبيعيا.
3 ـ للبيئة أهمية كبيرة في تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي، وبالتالي تؤثر على الصحة العقلية والقدرات الإبداعية للطلاب.
4 ـ يتعلم المتعلمون بدرجة أكبر وفاعلية أعلى في البيئات التي تهيئ شروط تنمية الإبداع. فقد تتوفر عند المتعلم القدرات العقلية التي تؤهله للإبداع، إلاّ أن البيئة (البيت، المدرسة، مجموعة الرفاق، المجتمع) قد لا يتوفر فيها التربة الصالحة للإنتاج الإبداعي الخلاق(5).
والمطلع على واقع مدارسنا ومدى التحصيل العلمي والمعرفي لطلابنا ،تصدمه الحقائق المذهلة لهذا الواقع المرير،وأصبحت التحديات التربوية والتعليمية في المدارس في هذا العصر المتسارع معرفيا ،أصبحت تحديات ملحة ومتواصلة لا يسع أحد تجاهلها ،وهو ما دعا الكثير من التربويين لإعلان ثورة معرفية وسلوكية وإدارية شاملة المجتمع ومؤسساته على اختلافها ،وليس الخلل في نظام التدريس التقليدي فقط، ولكن المشكلة تكمن في تغير الظروف المحيطة بالتعليم دون أن يتلاءم نظام التدريس مع المستجدات، فالانهيال المعرفي، والتدفق الفكري، والضخ الفضائي؛ قلل من دور المدرسة كمصدر وحيد للمعارف،وهنا ننحاز إلى الإبداع نهجا للتنشئة والتربية والتعليم ،معتقدين أن الإبداع والتفكير الإبداعي هو طريق الحضارة في هذا الزمان ، كما كان طريقا ومنهجا لعلمائنا وحضارتنا الإسلامية . (6)
ومن أهداف التعليم الإبداعي أن يصبح المتعلم مفكراً ومبدعاً،و يتفاعل مع مجتمعه ويطوره،و أن يساهم في حل مشكلات مجتمعه بطرق فعّالة مُبتكرة.والعمل على تنمية قدرات المتعلم إلى أقصى ما تسمح به، في حين أن التعليم الشائع تتركز أهدافه على اجتياز الاختبارات التي تُعقد للمتعلم،و تحصيل المعلومات والمهارات الأساسية.
كما أن المعلم المبدع يمتاز بمرونة التفكير،و مُلم بمادته،و مخطط لمواقف التدريس، ويعمل على اختيار الإستراتيجية المناسبة وينفذها، وقادر على مواجهة المتغيرات الصفية، ومُبدع مُبتكر في حياته العامة،بينما المعلم التقليدي غالباً ما يكون جامدا في تفكيره، ميّال إلى الإتباع لا الإبداع، مستجيب للأوامر، غير ميّال للمبادرة، وخططه التدريسية غير مرنة، ونمطي في حياته العامة.
وفي التعليم الإبداعي فمكانة المعلومات تكمن بأنها وسائل للوصول إلى حلول، ولتنمية القدرة على حل المشكلات،وهي متغيرة ونسبية، لذا يجب إعادة النظر فيها وعدم التسليم بها فوراً.أما حاضر تعليمنا فالمعلومة غاية في حد ذاتها، و تُقدم وكأنها ثابتة لا تتغير، والتفكير في مدى صحتها هو جهد ضائع، وعلى المعلم والتلميذ تجنب ممارسته ما أمكن.
وفي التعليم الإبداعي نهتم بالخبرة وطرق الوصول إليها، وتصبح الخبرة ذات معنى حينما يصل إليها المتعلم بنفسه،وتُقدم للمتعلم متكاملة تناسب مستويات نموه ومتوافقة مع بيئته، وتدفعه للتقدم والإبداع، لكن في تعليمنا الاعتيادي فإن الاهتمام ينصب على الخبرات المعرفية، وتحديداً على خبرات التسميع والإستظهار،وتُقدم الخبرة للمتعلم مُفككة، بعيدة عن بيئته، ونراها دافعة للملل لا للمثابرة، وعادة تكون أقل أو أعلى من مستواه.
أما محور المتعلم في التعليم الإبداعي فإن المتعلم هو محور العملية التعليمية، والإبداع هنا يراعي ميول المتعلم وقدراته،ويهتم بالفروق الفردية بين المتعلمين وتوظفها، ويهتم بتنمية قدرات المتعلم، وخاصة قدراته الإبداعية، ويهتم بإكساب المتعلمين روح البحث والتنقيب والاكتشاف والإبداع ويهتم بتُنمية دوافع المتعلم خاصة الداخلية منها ، وعلى الاتجاه الآخر فان التعليم الاعتيادي والمعلومات وكسبها هو محور العملية التعليمية،ولا تهتم كثيراً بميول المتعلم ولا اهتماماته،وهو تعليم لا يهتم بالفروق بين المتعلمين عادة فهو أقرب لقيادة القطيع، وتركز على قدرات الحفظ والتسميع لدى المتعلم، و تُقدم المعلومات للمتعلم جاهزة، لذا فهي مملة غالباً، والإيجابية فقط للمعلم،ولا تهتم بدوافع المتعلم، فهي تنمو عرضاً ومعظمها خارجية(7 ).
وفي مشاركة المتعلم المُبدع وغير المُبدع ،فان المتعلم غير المُبدع يساير أقرانه المبدعين، ومستواه يتقدم مع ـ رعاية المعلم ـ بقدر ما يملك من قدرات واستعدادات، والمتعلم المُبدع يضطر غالباً إلى مسايرة أقرانه غير المُبدعين فيهبط مستواه.
أما محور الرغبة في التعلم ففي التعليم الإبداعي فتزداد رغبة المتعلم في التعلم، ويحرص على المشاركة في المناقشات والنشاطات الإبداعية،وتندثر ظواهر الغش وظهور التعاون والتنافس الشريف ،وعلى الوجه الآخر فإن التعليم الروتيني تنتشر فيه كثير من المشكلات التربوية والتعليمية، وظواهر الاتكالية والغش، والنقل الآلي، وانخفاض مستويات التحصيل بعامة، ومحاولات التفرّد والبعد عن الجماعية،وأيضا يمل المتعلم الجو المدرسي، ويضطر للغياب والهروب وربما التسرب من التعليم كلية .
أما مناخ التعليم والتعلم الإبداعي فإنه يمتاز بالحرية والتقبُّل والتعاون،وتعدد الآراء والمناقشات الحرة، والتعبير عن الذات، و يُعوّد المتعلم على البحث والتنقيب والاستقصاء،ويسيطر على العمل روح النشاط والود والمشاركة،بيمنا التعليم غير الإبداعي فهو جو يسوده التقيُّد غالباً والخضوع والاستبداد،ولا مانع من المناقشة التي يقودها المعلم ويوجهها، مع الاعتراض على مبادأة المتعلم بها غالباً،وسيطرة روح السلبية والاعتماد على الآخر، وندرة المشاركة الفعلية للمتعلم.
وفي روح العصر فبتعليمنا الإبداعي نهتم بالاستفادة من خبرات الآخرين المتقدمين في جميع المجالات، ونركز على ضرورة استيعابها وتطويرها،ونهتم بالمستقبل هدفاً، وتستعين بالحاضر في فهم الماضي وتمحيصه،أما التعليم العادي فهو يركز كثيراً على الماضي، ويتسم بالبطء في استيعاب الحاضر، ونادراً ما يهتم بالمستقبل.
ومن أهم أهداف التعليم استمرارية المعرفة ومن خلال ممارسة التعليم الإبداعي يؤدي موقف التعليم والتعلم الإبداعي إلى حل مشكلة مُلحّة، وبروز مشكلات أخرى، تُمثّل نقاط بدء لإبداعات جديدة من جانب المتعلم، في حين أن التعليم الإبداعي فان استمرارية المعرفة لا تظهر إلا عرضاً بدون تخطيط مسبق، وتتمثل فقط في ربط الموضوعات ظاهرياً بين مقرر وآخر يليه،و يمارس المتعلم مهارات التفكير العلمي بدءاً من الشعور بمشكلة مُلحّة، وانتهاءً بالتوصل للحل الذي يتصف بالإبداع والأصالة من خلال علمية التفكير،بينما المعلومات تتقدم جاهزة، ولذا فالتفكير محصور في التذكّر والأنشطة التلقينية.
و الوقت غير مقيّد، والعبرة ببلوغ الأهداف، فالتعلم والإبداع يتم وفقاً للخطوات الذاتية للمتعلم، لا للمعلّم،أما تعليمنا الحالي فالوقت مُحدد سلفاً، وعلى الكل السير وفق مُعدّل واحد هو خطوات المعلم غالباً، دون اعتبار للمتعلم، و هناك أوقات فراغ يُنمّي المتعلم فيها هواياته، وتتفتح فيها قدراته، ويمارس فيها ما يتناسب مع ميوله، بينما زحام المقررات لا يتيح أي وقت فراغ، لذا فممارسة الهوايات وتلبية الميول تأتي عرضاً.
وعملية التعليم الإبداعي تهتم كثيراً بتنوّع مصادر التعلّم التقليدية، والتقنية، والخبرات المباشرة،في حين أن المصدر الحقيقي للمعلومات هو الكتاب، وتأتي مصادر التعلّم التقليدية الأخرى عرضاً،وأيضا تهتم بالجوانب التطبيقية والدراسات المعملية، بجانب النواحي النظرية،أما التعليم الإبداعي يتركز الاهتمام بالجوانب النظرية، وتأتي الجوانب الأخرى عرضاً، ودون تخطيط غالباً.
ويحتل التعزيز مكان القلب، ويمثّل تقدير المتعلم وإثابته وتقبله جوهر الطرائق الإبداعية،بينما يحصل المتعلم على تعزيز لفظي نمطي غالباً على تحصيله وحفظه، لا على إبداعه، فالأخير ربما يُعاقب عليه، ويُسخر منه نتيجته.
والتقويم في عملية التعليم الإبداعي تهتم بجوانب وقدرات التفكير الإبداعي، والاختبارات مفتوحة وإجاباتها غير مُحددة سلفاً،وتهتم بالاختبارات الموقفية والعملية، بينما التقويم الروتيني يهتم بجوانب الاستظهار والحفظ، والاختبارات نمطية وحلولها محددة لا تسمح بالتفكير، والإبداع يُمثّل خروجاً عن الإجابة عنها،وتعتمد على الاختبارات التحصيلية المُعدة بدون علمية تُذكر(8).
والإبداع يزيد ثقة المتعلم بنفسه وبقدراته،ويساعده في نمو دوافعه الداخلية للتعلم والإنجاز،والشعور بالبهجة والرضا والنجاح، وتنمو ثقة المتعلم بنفسه بقدر حصوله على درجات عليا في الاختبارات التحصيلية ،أما تعليمنا الحالي فيتخلله مشاعر القلق والخوف والتوتر خاصة أنه لا يهتم بقدرات المتعلم وهواياته وميوله.
وخلاصة القول أن الإبداع طريق النجاح والتقدم والتطور وأن التفكير والتعليم الإبداعي السبيل الموصل للإبداع والمنتج الإبداعي، وفي ضوء التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم بأكمله، وما يرافقه من نتائج وتغيرات اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية، نرى أن الكشف عن الإبداع واستثماره يعد من أهم الأهداف التي يجب أن تسعى إليها الأمم إذا أرادت مواكبة هذا التقدم(9 ).
وقد حظي التفكير الإبداعيّ باهتمام كبير من علماء التربية وعلم النفس, إذ أصبح الآن اللغة السائدة للعصر الحديث, حيث انتقل مركز اهتمام علماء التربية والنفس, والعوامل التي تسهم في الإبداع, كما تحوّل الاهتمام من التعليم التلقينيّ إلى التعليم ألابتكاري الذي يعتمد على تعلّم التفكير, وطرق مواجهة المشكلات, وتقديم الحلول الابتكاريّة لها، لما لقدرات التفكير الإبداعيّ من دور مهمّ في تطوير المجتمع الحديث وازدهاره, وما يمكن أن يتولّد عن هذه القدرات من أفكار أصيلة, وحلول جديدة للمشكلات اليوميّة للأفراد والمجتمع، (10 ).
قائمة المراجع والمصادر:
1. انيس ،ا.منتصر ،ع.الصوالحي ،ع.احمد ،م (1972) : المعجم الوسيط . الطبعة الثانية .دار المعارف، القاهرة.
2. شكور، ج، و(1994): كيف تجعلين ابنك مجتهدا ومبدعا. الطبعة الأولى. عالم الكتب ، بيروت).
3. حبش،ز(2005):
التفكيرالابداعي
4. الحمادي ،ع (1999): صناعة الإبداع . الطبعة الأولى . دار ابن حزم ،بيروت .
5. المصري،م:أهمية التدريس لتنمية مهارات التفكير الإبداعي ،
6. هيجان ،ع ،ا (1999) : المدخل الإبداعي لحل المشكلات . الطبعة الأولى.أكاديمية نايف العربية للعلوم الامنية ، الرياض .
7. جعبري،ط (2008 ): دور الإدارة العليا في تحقيق الإبداع المؤسسي في المنظمات الأهلية في جنوب الضفة الغربية من وجهة نظر المديرين ،رسالة ماجستير غير منشورة.
8. جامعة القدس المفتوحة، (2003): التفكير الإبداعي. الطبعة الأولى، عمان.
9. كنعان ،أ(2004 ): التربية الحديثة وتنمية الإبداع ،حلب.
10. روشكا،أ(1989 ) : الإبداع العام و الخاص، ترجمة غسان عبد الحي أبوفخر ،عالم المعرفة،الكويت.
منقول